ابن الجوزي
379
كتاب ذم الهوى
فقال لها : خذي صندوقك إلى لعنة اللّه أنت وهو ومرّي . فصاحت بالخدم احملوه ، وأدخلت الدار ورجعت إليّ روحي ، فبينا نحن نمشي إذ قالت : وا ويلاه ، الخليفة واللّه . فجاءني أعظم من الأول ، وسمعت كلام خدم وجوار وهو يقول من بينهم : ويلك يا فلانة ! إيش في صندوقك ، أريني هو . فقالت : ثياب لستّي يا مولاي ، والساعة أفتحه بين يديها وتراه . وقالت للخدم : أسرعوا ويلكم ، فأسرعوا وأدخلتني إلى حجرة وفتحت عيني وقالت : اصعد هذه الدرجة إلى الغرفة ، واجلس فيها ، وفتحت بالعجلة صندوقا آخر ، فنقلت بعض ما كان فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه ، وقفلت الجميع ، وجاء المقتدر ، وقال : افتحي ، ففتحته ، فلم يرض منه شيئا ، وخرج ، فصعدت إليّ وجعلت ترشفني وتقبّلني ، فعشت ونسيت ما جرى ، وتركتني وقفلت باب الحجرة يومها ، ثم جاءتني ليلا فأطعمتني وسقتني وانصرفت ، فلما كان من الغد جاءتني فقالت : السيدة الساعة تجيء ، فانظر كيف تخاطبها . ثم عادت بعد ساعة مع السيدة ، وقالت : انزل فنزلت ، فإذا بالسيدة جالسة على كرسي ، وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتي . فقبّلت الأرض وقمت بين يديها ، فقالت : اجلس . فقلت : أنا عبد السيدة وخادمها ، وليس من محلي أن أجلس بحضرتها ، فتأمّلتني وقالت : ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب . ونهضت ، فجاءتني صاحبتي بعد ساعة فقالت : أبشر ، فقد أذنت لي واللّه في تزويجك ، وما بقي الآن عقبة إلا الخروج ، فقلت : يسلّم اللّه . فلما كان من الغد حملتني في الصندوق ، فأخرجت كما أدخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع ثان ، ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلي فتصدقت ، وحمدت اللّه تعالى على السلامة . فلما كان بعد أيام جاءني الخادم ومعه كيس فيه ثلاثة آلاف دينار عينا ، فقال : أمرتني ستّي بإنفاذ هذا إليك من مالها ، وقالت : تشتري بها ثيابا ومركوبا وخدما وتصلح به ظاهرك ، وتعال يوم الموكب إلى باب العامة وقف حتى تطلب ، فقد وافق الخليفة أن يزوّجك بحضرته . فأجبت عن رقعة كانت معه ، وأخذت المال فاشتريت ما قالوه بشيء يسير